سياسة

إيران و«سنوات الرصاص»!

قلّما تُستحضر الإبادة الجماعية الأندونيسية فترة الستينيات في أدبياتنا السياسية والثقافية العربية عامة. أحيل الأمر – شخصياً – إلى عطب في ذاكرتنا وخيالنا السياسي. نحن مرتهنون في خيالنا إلى مركزية أوروبية كثيفة الوطأة. حتى أكثر أنظمتنا القومية راديكالية في مواجهتها الغرب (الناصرية والبعثية)، هي لم تتجاوز في خلافها مع الغرب عتبة السياسي يوماً، وظل الغرب في منظورها رديف التقدمية والأنوار.

مثقفونا العرب، عامة، ينظرون إلى جامعة هامبولدت باعتبارها التجسيد العملي لعصر الأنوار، ويسقطون من هستوغرافيا الأنوار سجن البانوبتيكون. البانوبتيكون سجن صممه المفكر الإنكليزي جيريمي بنثام، عام 1785، وكان في حقيقته التجلي الأسمى لعقل الأنوار. سمح ذلك السجن بتصميمه الفريد لشخص واحد مراقبة جميع السجناء دون أن يكونوا قادرين على معرفة ما إذا كانوا مراقبين أم لا. البانوبتيكون كان «طريقة جديدة لتجسيد قوة سيطرة العقل على العقل» على حد تعبير بنثام والتمثل العقلي الأقصى للإجهاز على الأفراد والأجساد.

أنا هنا لا أتطلع إلى المفاضلة بين جامعة همبولدت وسجن البانوبتيكون، ودور كل منهما في صناعة تاريخ الحداثة كتاريخ عالمي. كل ما في الأمر أني أنبه إلى منظور مجتزأ في تطلعنا للحداثة ودخالة العنف الغربي في تاريخها. هذا الاجتزاء، بالضبط، هو ما يجعلنا عاجزين عن فهم الغرب وسلوكه كلما طالعتنا بوارجه أو كلما لوّحت طائراته لنا بحمم الموت.

في فيلمه «فعل القتل – The Act of Killing(2012)»، يقدم المخرج جوشوا أوبنهايمر مادة توثيقية مهمة عن الإبادات الأندونيسية. كان قادة فرق الموت المدفوعون من سوهارتو، عام 1965، يتسابقون في الإجرام بحق أعضاء الحزب الشيوعي، ونساء حركة جيرواني، وجماعة الأبانجان والإندونيسيين ذوي الأصول الصينية بتحريض من الجيش والحكومة وبدعم من الولايات المتحدة. ستُعرف تلك الأشهر في أندونيسيا، ثم ما تلاها من أحداث عنف في إيطاليا واليونان وتركيا، طوال مرحلة الستينيات والسبعينيات، بـ«سنوات الرصاص».

في إيطاليا دعمت الولايات المتحدة الفاشيين وشبكات جلاديو للإجهاز على اليسار (منذ تفجير فونتانا عام 1969)، في تركيا دعمت الولايات المتحدة منظمات الأرجينكون والذئاب الرمادية عسكرياً وأمنياً لمنع وقوع تركيا بيد السوفيات بعيد أزمة قبرص عام 1974. الدولة العميقة أو مصطلح الدولة العميقة في تركيا، وُلد مرتبطاً بشكل وثيق بجماعات سنوات الرصاص. إذ شكلت تلك الجماعات شبكات متداخلة من الخلايا المسلحة ولوبيات الإعلام والسلاح، وتجارة الممنوعات، والتي تقاطعت مصالحها جميعاً على منع تتحرر أنقرة من ربقة «الناتو».

الأخطر في كل ذلك هو ما شاهدناه هذه الأيام في طهران. فبخلاف ما يذهب إليه كثيرون، لا أعتبر الهجوم الإسرائيلي/ الأميركي على المنشآت النووية، أو منشآت الدفاع الجوي والصاروخي، أخطر ما حصل على أرض الواقع منذ تاريخ بدء الهجوم في 13 حزيران 2025. الأخطر من ذلك كله، هو الجماعات التي ابتدأت العمل العسكري من داخل إيران ضد الشعب والنظام الإيراني في الساعات الأولى للهجوم. بحسب مطلعين إيرانيين، ثمة ما تزيد نسبته عن 90% من الضربات كانت بفعل خلايا تحركت في اللحظات الأولى للهجوم الإسرائيلي. والمسألة لم تكن مسألة نووي أو مشروع صاروخي البتة.

كلام نتنياهو قبيل أشهر – في رسالة وجهها إلى الشعب الإيراني – عن تغيير النظام الإيراني «بأسرع مما تتخيلون»، والأداء العملياتي لهذه الجماعات على الأرض، فضلاً عن طبيعة المستهدفين في الهجوم الأول وأدوارهم (قيادة الحرس الثوري وأركانه)، كلها كانت تشي أن المطلوب الأول كان رأس النظام ووجهته السياسية، في حرب قد لا تشبه البتة ما أنف وخبرناه من حروب تقليدية في منطقتنا. تريد إسرائيل من الحرب الدائرة اليوم إدخال طهران في دوامة سنوات الرصاص، في الوقت الذي تعي فيه تل أبيب جيداً محدودية الفعل والتأثير العملياتي لسلاح جوّها بشكل أكيد.

في إمكاننا النظر إلى الخرائط العسكرية باعتبارها تكثيفاً دلالياً لبنى الإنتاج في أي مجتمع. وبالمثل، في إمكاننا فهم التحولات الاقتصادية والسياسية في أي مجتمع بالنظر إلى تطور خرائطه العسكرية. كمثال، توضح خرائط معركة بيت دراس في 11 أيار 1948، عندما هاجمت قوات جفعاتي قرية بيت دراس تمهيداً لدخول غزة، أثر عقيدة هنري جوميني، الجنرال السويسري المعاصر لكلاوزفيتز (ومعه هنري جودريان ضابط المدرعات الألماني)، والمعتمِدة على تطبيق مفاهيم الهندسة الإقليدية على خرائط العمليات. كان جوميني ينظر إلى العامل اللوجستي (دعم القوات وتأمين الإمداد اللازم لحركتها) باعتباره عاملاً حاسماً في إنهاء المعركة، وهو ما ظهر بشكل جلي في كل معارك الهاغاناه ضد القوات العربية، والتي سارع فيها لقطع خطوط الإمداد فور بدء الهجوم.

واقع الأمر، كانت عقيدة الهاغاناه العسكرية ترتكز بنحو كبير على عقيدة الحرب الخاطفة التي طورها جوديريان، والتي تستند في جنبة من جنباتها إلى الأساس المادي لتقسيم العمل في أوروبا، وهي الأسس نفسها التي قام عليها مجتمع اليوشاف/ الاستيطان الإسرائيلي. الحرب الخاطفة كانت في حقيقتها تعبيراً مثالياً عن روح المجتمعات الصناعية الغربية التي رأت في التشكيلات الحربية الترجمة الأمثل لتقسيم العمل (تكامل الصناعات، تقسيم العمل، القتال بأقل الأضرار الاقتصادية بنقل المعركة إلى أرض الخصم وحسم الحرب سريعاً).

لكن مقاربات جوميني وجوديريان سريعاً ما قاربت على الأفول مع بدء حرب «عاصفة الصحراء». فمع بدء حرب الخليج الثانية، طور الغرب، وتبعه الإسرائيليون، نظرية «العمليات القائمة على الفعالية»، والتي تتلخص بتوظيف القوة الجوية بغرض توجيه ضربات محددة إلى مفاصل القيادة والتحكم لدى العدو باستخدام نيران عالية الدقة. كانت مثل تلك المقاربات معتمدة بشكل رئيسي على التحولات الاقتصادية والسياسية التي ألمّت بالمجتمعات الغربية مرحلة ما بعد النيوليبرالية (تكامل القطاع الخاص المستثمر بالصناعات العالية التقانة، مع القطاع العام للدولة الذي يؤمن المطارات، والاستخبارات، والبنى التحتية اللازمة). وهي العقيدة التي تمظهرت بمقاربات إيهود باراك، ثم دان حالوتس في إدارتهما الأركان، وتطلعهما لقوات صغيرة العدد على مستوى المشاة، عالية القدرة اعتماداً على سلاح الجو.

بُعيد حربي العراق وأفغانستان مطلع الألفية الحالية، كان اتجاه الحرب الخاطفة قد بدأ بالأفول في معاهد الأركان والكليات العسكرية. لورانس فريدمان، أستاذ دراسات الحرب في كلية «كينغز كوليدج» نفسه بات يتحدث عن أفول زمن الحروب الخاطفة وبدء نوع جديد ومختلف من الحروب. ومع ذلك يقر لورانس أن أخطر ما يواجه الإستراتيجيات العسكرية اليوم هو الحرب الطويلة الأمد، إذ ليس ثمة تصور أو مقاربة لإنهائها بأي شكل. ماذا لو لم يستسلم المجتمع الذي شرعنا ضده بالحرب؟ يسأل فريدمان، وماذا لو تقدم الناس في المجتمع بأسره للدفاع عن خصومنا؟ ثم كيف سنتعامل مع اليوم التالي للحرب؟

نخطئ إذا ما اعتقدنا أن سؤال اليوم التالي هو سؤال نتنياهو في غزة أو في طهران، سؤال اليوم التالي هو سؤال معضلة بالنسبة إلى النموذج الغربي الذي يفتقد قدرته على الإخضاع يوماً بعد آخر. وهذا بالضبط ما وقعت به إسرائيل.

كثيرون يتطلعون للحرب بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، باعتبارها تكراراً لحرب عام 1956، تلك التي خاضتها مصر ضد كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل. فالحربان هما مواجهة سياسية وعسكرية واقتصادية ونفسية بين شعب يطالب بحقه، وقوى دولية كبرى تنكر عليه حقه. وكثيرون قد يتطلعون لأثر الحرب الراهنة على المجتمع الإيراني بشيء يشبه إلى حد بعيد أثر الانقلاب على مصدق عام 1953. وحده ذاك الانقلاب هو الذي حفر عميقاً في وجدان الشعب الإيراني وحسم خيار الطبقة الوسطى بمناهضة الولايات المتحدة والغرب (وهذه واحدة من فوائد هذه الحرب).

لكنّ قليلين في رأيي يتطلعون إلى هذه الحرب باعتبارها حرب شعوب عالم الجنوب بأسره في مواجهة آلة القتل الغربية. طهران صرختنا الأخيرة وإيران – بهذا المعنى – نداء استغاثتنا الأخير. لا، لا تطلق طهران صواريخها ضد الكيان فحسب. هي بمنظورنا تطلق سهاماً من نار لتعلن أن لله فعله في التاريخ، وأن في هذا الشرق من لا يزال حياً وقادراً على المواجهة. لم يمت الشرق ولا سماؤه انكسرت، لا، ولن يخطئ التاريخ يوماً سهامه.

في الأدب الشعبي الفارسي هنالك عيد للسهم، اسمه روزتير، يحتفل الإيرانيون فيه بذكرى السهم الذي أطلقه آرش (بطل فارسي أسطوري) ليعلن حدود الدولة في مواجهة المحتل أفراسياب. تقول الأسطورة رمى آرش سهمه، فحملت الريح السهمَ من جبل الرويان في طبرستان إلى نهر جيحون، ثم مات البطل بعد أن وضع كل طاقة حياته في تلك الرمية.
يا آرش الفارسي أطلق سهامك ولو كانت الأخيرة. قل لهم إن لنا في هذا الشرق ما لا يعونَ معناه ولا حدوده، افتح يا آرش للشرق فاتحة الممكنات (باستعارة من أدونيس) واكتب للغرب اليوم أن وجهك ياغرب ينهار، وجهك يا غرب مات.
* كاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى